محمد بن جرير الطبري
308
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
بهجرها في الأمر الذي كانت عظته إياها عليه . وإذ كان ذلك كذلك ، بطلَ قولُ من قال : " معنى قوله : " واهجروهن في المضاجع ، واهجروا جماعهن " . = أو يكون - إذ بطل هذا المعنى - بمعنى ( 1 ) واهجروا كلامهن بسبب هجرهنّ مضاجعكم . وذلك أيضًا لا وجه له مفهومٌ . لأن الله تعالى ذكره قد أخبر على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم : أنه لا يَحِل لمسلم أن يهجر أخاه فَوْقَ ثلاث . ( 2 ) على أن ذلك لو كان حلالا لم يكن لهجرها في الكلام معنًى مفهوم . لأنها إذا كانت عنه منصرفةً وعليه ناشزًا ، فمن سُرورها أن لا يكلمها ولا يَرَاها ولا تراه ، فكيف يُؤْمر الرجل = في حال بُغض امرأته إياه ، وانصرافها عنه = بترك ما في تركه سُرُورها ، من ترك جماعها ومحادثتها وتكليمها ؟ ( 3 ) وهو يؤمر بضربها لترتدع عما هي عليه من ترك طاعته ، إذا دعاها إلى فراشه ، وغير ذلك مما يلزمها طاعته فيه . ( 4 ) =
--> ( 1 ) في المطبوعة : " فمعنى : واهجروا . . . " والفاء هنا خطأ لا شك فيه ، ولكن ناسخ المخطوطة كتب " لمعنى " باء ، ثم وضع نقطة النون على الباء ، فأساء الناشر قراءتها . ( 2 ) هو من حديث أنس بن مالك ، رواه البخاري ( الفتح 10 : 413 ) : " عن أنس بن مالك : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تَبَاغَضُوا ، ولا تَحاسدُوا ، ولا تَدابَرُوا ، وكونوا عِبَاد اللهِ إخوانًا ، ولا يحلُّ لامرئ مُسْلِمٍ أنْ يهجُرَ أَخاهُ فوق ثلاثٍ " . وحديث أبي أيوب الأنصاري : " لا يحِلُّ لرجُل أن يهجُرَ أخاهُ فَوقَ ثلاثٍ ، يلتقيانِ ، فيُعْرض هذا ويُعرِض هذا ، وخيرُهما الذي يبدأ بالسَّلام " ، ( الفتح 10 : 413 ) . ( 3 ) في المطبوعة : " مجاذبتها " ، واخترت قراءتها كما أثبتها ، وهي في المخطوطة غير منقوطة . ( 4 ) هذه الحجة جيدة جدًا ، إذا اقتصر المرء على صورة واحدة من صور النشوز ، وعلة واحدة هي التي ذكرها أبو جعفر . ولكن للنشوز صور عديدة ، وعلله مختلفات ، وهذه الآية أدب عام يعمل به المرء المسلم عند حاجته إليه عند مخافة النشوز أو معرفته ومعرفة أسبابه . وسترى أن أبا جعفر قد أسقط جميع الأقوال ، ليفضي إلى تأويله الذي ذهب إليه ، وسنذكر رد أبي بكر بن العربي عليه في تعليق يأتي في آخر مقالة أبي جعفر .